ابن رشد

69

الكشف عن مناهج الأدلة في عقائد الملة

الادعاء وفعل الشيء نفسه ، وأصاب الناس من ذلك مرض آخر . ثم جاء ثالث فرابع الخ . . . وادعوا ما ادعى الأول والثاني وفعلوا فعلهما ، وكانت النتيجة أن توالت الأمراض على الناس بسبب ذلك : " حتى فسدت المنفعة المقصودة بهذا الدواء المركب " . ويضيف ابن رشد قائلا : " وهذه حال الفرق الحادثة في هذه الطريقة مع الشريعة . وذلك أن كل فرقة منهم تأولت في الشريعة تأويلا غير التأويل الذي تأولته الفرقة الأخرى وزعمت أنه الذي قصده الشرع ، حتى تمزق الشرع كل ممزق وبعد جدا عن موضعه الأول " ( ف : 160 - 161 ) . ثم يخاطب قارئه : " وأنت إذا تأملت ما في هذه الشريعة في هذا الوقت من الفساد العارض فيها من قبل التأويل تبينت أن هذا المثال صحيح " ( ف : 162 ) . فذلك : " ما فعله بالشرع الخوارج ثم المعتزلة ثم الأشعرية ثم الصوفية " . ثم جاء أبو حامد [ الغزالي ] فطم الوادي على القرى " ( - أغرقها ) وذلك أنه صرح بالحكمة كلها للجمهور ، وبآراء الحكماء ، على ما أداه إليه فهمه " ( ف : 163 ) . 4 - البعد الإصلاحي للكتاب : الدفاع عن العلم وحرية الإرادة من هنا ، أعني من استحضار " تأويلات " المتكلمين البعيدة بل المتعارضة مع " الحق " سواء منه ما تقرره الأقاويل العلمية البرهانية ، أي المعرفة العلمية - كما كانت في عصره - أو " الظاهر من العقائد التي قصد الشرع حمل الجمهور عليها " ، وأيضا من خلال استحضار دور الغزالي في التشويش على " الحكمة " ، وهي العلوم الفلسفية ، ورمي المشتغلين بها بالكفر ، من هنا ، إذن ، نستطيع أن نتبين في الكتاب الذي بين أيدينا كتابا في الدفاع عن العلم ، وبعبارة أدق ، التصور العلمي الفلسفي للكون الذي يشيده العقل بعيدا عن أي شاغل آخر غير طلب الحقيقة . وذلك ضدا على تأويلات المتكلمين الذين ذهبت بهم الرغبة في نصرة آرائهم إلى بناء ما يسمونه " الشاهد " ، أي الكون وظواهره ، بالصورة التي تمكنهم من قياس " الغائب " عليه . و " الغائب " عندهم هو عقائدهم الكلامية في موضوع ذات الله وصفاته وأفعاله . وكما رأينا في المدخل فقد انتهى التطور بعلم الكلام عند الأشعرية إلى آراء في الكون مبنية على ما يقررونه ، من خلال الجدال الكلامي ، وليس من خلال